arrow down

واجبنا في الأشهر الحرم

بقلم فضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ} [التوبة: 36].

والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، ورجب. عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان» [رواه البخاري (4662) ومسلم (1679)].

لماذا سميت بهذا الاسم؟

وقد سُميت هذه الأشهر حُرماً لأمرين:

1- لتحريم القتال فيها، إلا أن يبدأ العدو؛ لذا يُسمى رجب الأصم؛ لأنه لا يُنادى فيه: يا قوماه! أو لأنه لا يُسمع فيه صوت السلاح.

2- ولأن تحريم انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها.

معنى قوله تعالى: {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} :

جاء تفسيره في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حُرُم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»، {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} إنما قال: {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ليبين أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة. وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً}.

وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها، وتقديم المقدم في الاسم منها. والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليه.

قال الخطابي: "كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم، والتقديم والتأخير؛ لأسباب تعرض لهم، منها: استعجال الحرب فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهراً غيره، فتتحول في ذلك شهور السنة وتتبدل، فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان وعاد الأمر إلى أصله".

وأفاد الحديث: أن هذا الحساب حقيقي صحيح في نفسه ليس فيه من خطأ النسيء شيء.

مكانة الشهر الحرام:

1- تعظيم حكم الله: قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}، وفي هذا قصر حق التشريع في الحل والحرمة على الله وحده. وتربط هذه الحقيقة بالحق الأصيل في بناء الكون كله، يوم خلق الله السماوات والأرض.

2- الأشهر الحرم فضّلها اللّه على سائر شهور العام، وشرّفهنّ على سائر الشّهور، فخصّ الذّنب فيهنّ بالتّعظيم، كما خصّهنّ بالتّشريف، وذلك نظير قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238].

قال ابن عبّاسٍ: "خصّ اللّه من شهور العام أربعة أشهرٍ فجعلهنّ حرماً، وعظّم حرماتهنّ، وجعل الذّنب فيهنّ والعمل الصّالح والأجر أعظم".

وعن قتادة: "الظّلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزراً من الظّلم فيما سواها، وإن كان الظّلم في كلّ حالٍ عظيماً، ولكنّ اللّه يعظّم من أمره ما شاء، فإنّ اللّه تعالى اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن النّاس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشّهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيّام يوم الجمعة، واصطفى من اللّيالي ليلة القدر؛ فعظّموا ما عظّم اللّه، فإنّما تعظّم الأمور بما عظّمها اللّه عند أهل الفهم وأهل العقل".

وقال كعب رضي الله عنه: "اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم".

3- التأكيد فيها على الواجبات، وعلى حرمة المحرمات:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ} [المائدة:2]، وكانت العرب تعظم الأشهر الحرم قبل الإسلام فلا تقاتل فيها، وجاء الإسلام وعظم هذه الأشهر وجعل لها مكانة كبيرة.

قال ابن كثير: "وقال تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي، وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حَقِّ من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.

وقال محمد بن إسحاق: "{فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك، زيادة في الكفر {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 37]".

قال القرطبي: "لا تظلموا فيهن أنفسكم" بارتكاب الذنوب؛ لأن الله سبحانه إذا عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح؛ فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام. ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30].

يقول القرطبي رحمه الله: "خص الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وإن كان منهياً عنه في كل زمان".

4- التأكيد على حرمة القتال في الأشهر الحرم: كان القتال في الأشهر الحرم محرّماً في الجاهليّة قبل الإسلام، فكانت الجاهليّة تعظّمهنّ وتحرّم القتال فيهنّ، حتّى لو لقي الرّجل منهم فيهنّ قاتل أبيه أو أخيه تركه.

قال النّيسابوريّ في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ}، "أي: هو الدّين المستقيم الّذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقد توارثته العرب منهما فكانوا يحرّمون القتال فيها.

ثمّ جاء الإسلام يؤيّد حرمة القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217].

هل نسخ القتال في الأشهر الحرم؟

قال الطّبريّ: "والصّواب من القول في ذلك ما قال عطاء بن ميسرة من أنّ النّهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم منسوخٌ بقول اللّه عزّ وجلّ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]. وإنّما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} لتظاهر الأخبار بذلك عن رسول اللّه.

5- تغليظ الدّيات في الأشهر الحرم: اختلف الفقهاء في تغليظ دية القتل في الأشهر الحرم أو عدم تغليظها، فالشّافعيّة والحنابلة يرون تغليظ الدّية للقتل في الأشهر الحرم.

كيف نستغل الأشهر الحرام:

فلنحرص على حسن استغلال هذه الأشهر وذلك من خلال الأمور التالية:

- بعقد العزم الصادق بالتوبة والإنابة إلى الله والهمة العالية على تعمير هذه الأشهر بالأعمال الصالحة، فمن صدق الله صدقه، على الطاعة ويسر له سبل الخير.

- باغتنام هذه الفرصة لتزكية نفسك وتعوديها على الطاعة.

- باستشعار رقابة الله عز وجل والتفكير في معاني أسمائه الحسنى (السميع، البصير، الشهيد، المحيط، الرقيب...).

- بالمسارعة في تصحيح مسيرك إلى الله وتحمل الصعاب والمشاق والصبر على ذلك ومن ثم تصحيح سلوكك وخلقك مع الناس (أهلك.. أرحامك.. جيرانك.. أصحابك...) و سلامة صدرك نحوهم.

- باستحضار حرمة هذه الأشهر وتعظيمها، فإن تعظيمها من تعظيم الله عز وجل، فقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحـج: 32]. فعظموا ما عظم الله، فإنما تُعَظّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.

- وبامتثال الأوامر واجتناب النواهي، ويبتعد عن كل ما يضره ويؤذيه من قول أو فعل يسارع إلى الخيرات ويفعل الصالحات. فإن الأشهر الحرم يجب تعظيمها ومن تعظيمها بعمارتها بالطاعة؛ فإذا كانت الطاعة مطلوبة في كل الأشهر والأيام فإن طلبها آكد في الأشهر الحرم. والمعاصي يتضاعف إثمها في الأشهر الحُرُم، فالمعصية فيها مغلظة تدريبًا للنفوس على ترك المعاصي فيما سواها، وهي من مواقيت العبادة فمن لم يعزم الحج فيها، فلا أقل من أن يترك المعصية.

- بالحذر من ظلم النفس فيها:

1- ومن ذلك الإشراك بالله تعالى: صغيراً كان أم كبيراً؛ لأن الله تعالى يقول على لسان لقمان: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]؛ فالشرك من خاصيته أنه يُحبط الأعمال كلها إن كان أكبر، ويُحبط العمل إن كان أصغر، كما قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:65].

2- تجنّب ابتداء القتال في الأشهر الحرم: قال السعدي في تفسيره عند قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال المشركين، وقال بعض المفسرين: "إنه لم يُنسخ لأن المطلق محمول على المقيّد، وهذه الآية مقيّدة لعموم الأمر بالقتال مطلقاً، ولأن من جملة مزيّة الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام". انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

فهل تفقه الفئات المتصارعة المتحاربة ذلك؟ وتُعظّم ما كانت تعظّمه الجاهلية الأولى عبدة الأصنام فتجعل من شهور السنة شهور سلم وأمان ما لم يُعتد عليها، والبادي أظلم.

فإن مما عظمه الله جل وعلا هذه الأشهر الحرم ونحن في بدايتها فلنعظمها ولنعظم حرمات الله فيها وفي سائر العام، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بيان في حجة الوداع فقرر حرمة الزمان وحرمة المكان، وحرمة الدماء والأموال والأعراض.

قال صلى الله عليه وسلم في معرض خطبته الطويلة: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟! ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه!».

4- تجنّب أخذ الحقوق: فإن أخذ حقوق الناس من الظلم الذي لا يتركه الله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يُدبر لبعضهم من بعض» [رواه الطيالسي والبزّار عن أنس رضي الله عنه وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3961)].

- بترك الابتداع في الدين: وهو إحداث عبادات أو التعبّد بما لم ينزل الله به من سلطان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«إياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني في ظلال الجنّة رقم (25)].

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها]، وفي لفظ لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي: مردود على صاحبه.