arrow down

إظهار العجب في بيان بدع شهر رجب 2-3

بقلم فضيلة عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الفصل الثاني: فيما ورد في صلاة أول ليلة من رجب

* عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صلى المغرب أول ليلة من رجب، ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و{قل هو الله أحد} مرة، ويسلّم فيهن عشر تسليمات؛ أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك. قلنا: الله ورسوله أعلم.

قال: حفظه في نفسه وماله، وأهله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق، بغير حساب ولا عذاب».

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، وأكثر رواته مجاهيل.

تقدم في الفصل الأول برقم (6)، وسيأتي كلام أهل العلم في الفصل الثامن.

الفصل الثالث: فيما ورد في فضل أول خميس وليلة أول جمعة من رجب

* عن أنس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي...» وفيه: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعَتَمة يعني ليلة الجمعة ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و{إنا أنزلناه في ليلة القدر} ثلاث مرات، و{قل هو الله أحد} اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين مرة، ثم يقول: اللهم صلِّ على محمد النبيّ الأميّ وعلى آله...» إلخ.

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع.

قلت: تقدم في الفصل الأول برقم (8)، وسيأتي كلام أهل العلم في الفصل الثامن.

الفصل الرابع: في بدعة شد الرحال إلى مسجد الجند أول جمعة من رجب

ومن البدع الشنيعة التي يرتكبها كثير من العوام، وشجعهم على الاستمرار عليها ما يسمّونه بحج المساكين، وهو شد رحالهم إلى مسجد الجند، مسجد معاذ بن جبل، الكائن في الجند خارج مدينة تعز، وينسبون في ذلك حديثاً إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم معناه: «من ذهب في أول جمعة من رجب إلى مسجد الجند؛ كان كمن حج»، وهذا حديث باطل. وحدّث عن المنكرات التي تحدث في ذلك اليوم ولا حرج: من اختلاط الرجال بالنساء، وحضور الفسقة ومن لا خير فيه، وتلطيخ المسجد بالقاذورات، وأكل القات، وشرب الدخان داخل المسجد، ثم تركهم لصلاة العصر في جماعة على وقتها؛ لأنهم يكونون أو أكثرهم في حال مضغ للقات.

ومما ساعد على انتشار هذه البدعة المنكرة: سكوت كثير ممن ينتسب إلى العلم، وترويج أهل البدع لها، والحث عليها، وحضورها مع من حضر، وهم العلماء والأئمة والقدوة في نظر العوام.

والأدهى والأمر حضور بعض من يدّعي العلم من دون أن ينكروا هذا المنكر، وما هم في الحقيقة إلا من المداهنين الساكتين عن النطق بالحق. ومع اعتقاد العوام هذا المعتقد الفاسد، وارتكابهم لهذه البدعة الشنيعة؛ فقد خالفوا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد مكة، والمسجد الأقصى».

والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، و «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

فيجب على ولاة الأمور أن يزيلوا هذا المنكر، وأن يمكّنوا العلماء العاملين بالكتاب والسنة من تغيير مثل هذا المنكر، كما فعل الملك الكامل بمصر، لمّا أبلغه أحد العلماء ببدعية صلاة ليلة النصف من شعبان؛ فأزالها ومنع الناس من فعلها. وإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ} [هود:88].

الفصل الخامس: فيما ورد في فضل ليلة النصف من رجب

* عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من صلى ليلة النصف من رجب أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة (الحمد) مرة، و {قل هو الله أحد} عشرين مرة، و {قل أعوذ برب الفلق} ثلاث مرات، و {قل أعوذ برب الناس} ثلاث مرات، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده، ويكبره ويهلله ثلاثين مرة؛ بعث الله إليه ألف ملك يكتبون له الحسنات، ويغرسون له الأشجار في الفردوس...» إلخ.

قال الإمام ابن الجوزي: هذا موضوع.

قلت: وتقدم في الفصل الأول برقم (9)، وسيأتي كلام أهل العلم في الفصل الثامن إن شاء الله.

الفصل السادس/ فيما ورد من فضائل ليلة السابع والعشرين من رجب:

1- عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة؛ كان كمن صام الدهر مائة سنة، وقام مائة سنة، وهو لثلاثٍ بقين من رجب، وفيه بعث الله محمداً».

قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث منكر إلى الغاية.

قلت: ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص439، وابن عراق في تنزيه الشريعة (ج2 ص 161).

2- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورةٍ، فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله , والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات، ثم أصبح صائماً - حطّ الله عنه ذنوبه ستين سنة، وهي الليلة التي بُعث فيها محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم».

قلت: هذا حديث موضوع. وتقدم في الفصل الذي ذكرنا فيه فضائل شهر رجب برقم(10).

3- عن أنس رضي الله عنه نحو حديث ابن عباس المتقدم.

وتقدم الكلام عليه في فصل الفضائل لشهر رجب برقم (11) ورقم (9).

4- عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بعثت نبياً في السابع والعشرين من رجب، فمن صام ذلك اليوم؛ كان كفارة ستين شهراً».

تقدم في الفصل الأول برقم (24).

5- عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: بمثل حديث أنس المتقدم إلا أنه قال: «فمن صام ذلك اليوم، ودعا عند إفطاره؛ كانت كفارة عشر سنين».

قال الحافظ ابن حجر: إسناده باطل.

انظر الفصل رقم (25).

6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من صام يوم سبع وعشرين من رجب؛ كتب له صيام ستين شهراً، وهو اليوم الذي هبط فيه جبريل بالرسالة».

انظر الفصل الأول رقم (26).

قلت: فهذه الأحاديث كلها موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد عقدت فصلاً من الأيام التي حثّ الشرع على صيامها بعينها، والليالي التي حث على قيامها في رسالتي: "تسليح الشجعان بحكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان" فلتراجع هناك.

وسيأتي كلام أهل العلم في الفصل الثامن إن شاء الله تعالى.

الفصل السابع: متى كانت ليلة الإسراء والمعراج

لم يرد تحديد ليلة الإسراء والمعراج في الشرع، بل قال ابن حجر رحمه الله في كتابه: (تبيين العجب ص11): وذكر بعض القصّاص أن الإسراء كان في رجب، قال: وذلك كذب.

قال الحربي: كان الإسراء ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول.

قلت: ومنهم من قال: ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان، قبل الهجرة بثمان سنين.

وقيل: بعد البعثة بخمس سنين.

انظر طبقات ابن سعد (1/ 213) وما بعدها، وانظر النووي على مسلم (2/ 209)، والدرر لابن عبد البر ص69.

فثبت بهذا بطلان ما يدّعيه بعضهم أنها ليلة السابع والعشرين من رجب.

فالصحيح أنه لا يُدرى في أي يوم هي، ولا في أي شهر هي.

ثم إنه لا يترتب على معرفتها فائدة دينية، ولو كانت هنالك فائدة؛ لبيّنها الله لنا. والله تعالى أعلم.

الفصل الثامن: في كلام أهل العلم على الصلوات المبتدعة

التي تقام في هذا الشهر، كالصلاة في أول ليلة، وأول جمعة، وليلة سبع وعشرين...

وأما الصلاة التي يصليها الناس في ليلة أول جمعة من شهر رجب؛ فإنها صلاة مبتدعة. وتقدم أن ذكرنا الأحاديث الواردة فيها، وأنها موضوعة.

وكذلك الصلاة في ليلة الصنف من شهر رجب، تقدم سرد الأحاديث التي وردت فيها في فصل الفضائل، وبيّنا أنها موضوعة كذلك. وسنذكر إن شاء الله كلام أهل العلم فيها:

1- العز بن عبد السلام:

قال، كما في المساجلة العلمية التي وقعت بينه وبين ابن الصلاح، آخر ص9:

"ما يدل على ابتداع هذه الصلاة، أن العلماء الذين هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وغيرهم ممن دوّن الكتب في الشريعة، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن؛ لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تعرّض لها في مجالسه" انتهى. وقد ألّف رسالة في إبطالها.

2- ابن الصلاح: كما في المساجلة (ص15 – 16):

قال: هذه الصلاة شاعت بعد المائة الرابعة، ولم تكن تعرف، وقد قيل: إن منشأها من بيت المقدس صانها الله تبارك وتعالى. والحديث الوارد بها بعينها وخصوصها ضعيف ساقط عند أهل الحديث، ثم منهم من يقول: هو موضوع، وذلك الذي نظنه، ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف، ولا يستفاد له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه (تجريد الصحاح)، ولا من ذكر صاحب كتاب (الإحياء) له فيه، واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب.

وابن الصلاح رحمه الله تعالى كان يقول ببدعية هذه الصلاة أولاً، ثم صار يقررها كما في المناظرة التي جرت بينه وبين العز بن عبد السلام. ولقد وقف العز بن عبد السلام رحمه الله على فُتيَيَن لابن الصلاح يجيب فيها بأنها بدعة، وهذه هي مع تعليق الإمام العز بن عبد السلام:

الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء الأئمة رضي الله عنهم في الصلاة المدعوّة بصلاة الرغائب، هل هي بدعة في الجماعات أم لا؟ وهل ورد فيها حديث صحيح أم لا؟ أفتونا مأجورين.

وجوابه: اللهم وفق وارحم:

حديثها موضوع على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي بدعة حدثت بعد أربعمائة من الهجرة، ظهرت بالشام، وانتشرت في سائر البلاد. ولا بأس بأن يصليها الإنسان بناءً على أن الإحياء فيما بين العشائين مستحب كل ليلة، ولا بأس بأن يصليها الإنسان مطلقاً، أما أن تتخذ الجماعة فيها سنة، وتتخذ هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة، فهذا من البدع المنكرة، ولكن ما أسرعَ الناس إلى البدع! والله أعلم.

وكتب ابن الصلاح:

قال العز بن عبد السلام معلقاً على هذه الفتوى:

ولا يخفى ما في هذا الجواب من موافقة الصواب، ولا ما فيه من الاختلال.

الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم فيمن ينكر على من يصلي في ليلة الرغائب ونصف شعبان، ويقول: إن الزيت الذي يشعل فيها حرام وتفريط، ويقول: إن ذلك بدعة، وما لهما فضل، ولا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهما فضل ولا شرف؛ فهل هو على الصواب أو على الخطأ؟ أفتونا رضي الله عنكم.

وجوابه: اللهم وفق وارحم:

أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع، وما حدثت إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالي الجمع. وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضيلة، وإحياؤها بالعبادة مستحب، ولكن على الانفراد من غير جماعة. واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة منكرة، وما يزيدونه فيهما على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه؛ فغير موافق للشريعة. والألفية التي تُصلى في ليلة النصف؛ لا أصل لها ولأشباهها. ومن العجب حرص الناس على المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في المؤكدات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله المستعان، وهو يعلم.

وكتب ابن الصلاح:

قال ابن عبد السلام: فأظهر الله تعالى سبحانه وتعالى ما الرجل منطوٍ عليه، ومصغٍ إليه، نسأل الله عز وجل أن يعصمنا من أمثال ذلك، وأن يعافيه مما ابتلاه به، فمثله فليرحم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أ.هـ.

انظر آخر المساجلة العلمية (40 – 42).

قلت: وقد نقل فتاوى ابن الصلاح أبو شامة في كتابه (الباعث) ص41 فما بعدها.

3- أبو قاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، المعروف بأبي شامة:

ألف كتاباً في إبطال صلاة الرغائب سمّاه (اللمع). انظر كشف الظنون، وانظر كلامه في كتابه الباعث ص39 فما بعدها، والمجموع شرح المهذب (ج 4 ص56).

4- أبو الخير قطب الدين محمد بن محمد بن الخيضري الزبيدي الدمشقي:

ألّف: كتاب (البرق اللموع لكشف الحديث الموضوع)، يعني حديث صلاة الرغائب.

وألف أيضاً: (تحفة الحبائب بالنهي عن صلاة الرغائب). انظر كشف الظنون.

5- أبو بكر الطرطوشي:

ذكر ذلك العز بن عبد السلام في رسالته (الترغيب عن صلاة الرغائب) ص 4 – 5.

وانظر كلام ابن الحاج الآتي. وذكر أبو شامة نقلاً عن الطرطوشي، أن الذي أحدث هذه الصلاة رجل من نابلس يعرف بابن أبي الحمراء، وأحدثها سنة 448هـ في المسجد الأقصى، في زمن الطرطوشي.

6- ابن الجوزي:

قال بوضع أحاديث صلاة الرغائب كما سبق نقله عنه، وذكر ذلك أيضاً العز بن عبد السلام في رسالته السابقة الذكر (ص 4–5).

7- ابن الحاج:

قال في كتابه المدخل: (ج ص293 فما بعدها):

ومن البدع التي أحدثوها في هذا الشهر الكريم أي شهر رجب أن أول جمعة منه يصلّون في تلك الليلة في الجوامع والمساجد صلاة الرغائب، ويجتمعون في بعض جوامع الأمصار ومساجدها، ويفعلون هذه البدعة، ويظهرونها في مساجد الجماعات بإمام وجماعة، كأنها صلاة مشروعة، وانضم إلى هذه البدعة مفاسد محرمة، وهي: اجتماع النساء والرجال في الليل على ما عُلم من اجتماعهم، وأنه لابد أن يكون مع ذلك ما لا ينبغي، مع زيادة وقود القناديل وغيرها، وفي زيادة وقودها إضاعة المال لاسيما إذا كان الزيت من الوقف، فيكون ذلك جرحة في حق الناظر، لاسيما إن كان الواقف لم يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعاً. وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم؛ سبب لاجتماع من لا خير فيه. ومن حضر من أرباب المناصب الدينية عالماً بذلك؛ فهو جرحة في حقه إلا أن يتوب، وأما إن حضر ليغير وهو قادر بشرطه؛ فحبذا.

وقد ذكر الإمام أبو بكر الفهري المعروف بالطرطوشي رحمه الله تعالى تقبيح اجتماعهم وفعلهم صلاة الرغائب في جماعة، وأعظمَ النكير على فاعل ذلك، وقال في كتابه: إنها بدعة قريبة العهد، حدثت في زمانه، وأول ما حدثت في المسجد الأقصى، أحدثها فلان سمّاه. فالتسمية هناك هذا قوله فيها، وهي على دون ما يفعلون اليوم كما تقدم ذكره.

فإن قال قائل: قد ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الندب إلى هذه الصلاة.

ذكره أبو حامد الغزالي في الإحياء.

فالجواب: أن الكلام إنما وقع على فعلها في المساجد، وإظهارها في الجماعات، وما اشتملت عليه مما لا ينبغي كما تقدم. وأما الرجل يفعلها في خاصة نفسه، فيصليها سراً كسائر النوافل؛ فله ذلك، ويكره له أن يتخذها سنة دائمة لابد من فعلها؛ لأن هذه الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال بالسند الضعيف، قد قال العلماء فيها: إنه يجوز العمل بها، ولكنها لا تفعل على الدوام، فإنه إذا عمل بها ولو مرة واحدة في عمره، فإن يكن الحديث صحيحاً، فقد امتثل الأمر به، وإن يكن الحديث في سنده مطعن يقدح فيه، فلا يضره ما فعل؛ لأنه إنما فعل خيراً، ولم يجعله شعيرة ظاهرة من شعائر الدين، كقيام رمضان وغيره.

هذا الكلام على صفة الجمع في العمل بالحديث الصحيح،والحديث الذي أشكل علينا صحته.

وأما مذهب مالك، فإن صلاة الرغائب مكروه فعلها، وذلك جار على قاعدة مذهبه؛ لأن تكرير قراءة السورة الواحدة في ركعة واحدة يمنعها، لأنه لم يكن من فعل من مضى، والخير كله في الاتباع لهم رضي الله عنهم. انتهى.

قال أبو عبد الرحمن السلفي: تجويزه لصلاتها بانفراد، وكلامه على العمل بالحديث الضعيف غير مستقيم، وقد تقدم أن من جملة الشروط التي اشترطها من يُجَوِّز العمل بالحديث الضعيف، ألا يكون شديد الضعف، فكيف والحديث الموضوع؟!

ثم إن الصحيح أنه لا يعمل بالحديث الضعيف، فالفضائل والأحكام كلها شرع لا تثبت إلا بدليل صحيح ثابت، كما نقلناه سابقاً عن ابن حجر رحمه الله.

فصلاة الليل في رجب مثلها في شعبان، مثلها في رمضان، مثلها في سائر الأيام.

وأما عمل صلاة جديدة يرجو بها ثواباً معيناً؛ فهذا ليس من شرع الله في شيء. ثم ينبغي أن يعلم أن ابن الحاج نفسه رحمه الله مع أنه أظهر وبيّن كثيراً من بدع المبتدعين، إلا أنه يقع أحياناً في كتابه المدخل في تقرير كثير من البدع، فلينتبه له، والمعيار هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، و«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

8- الشيخ زكريا الأنصاري:

سُئل رحمه الله عن صلاة الرغائب، والصلاة التي تصلى في ليلة نصف شعبان، هل هما بدعتان قبيحتان منكرتان على فاعلهما، كما نص عليه الشيخ محيي الدين النووي، أو ليستا كذلك؟ وإذا قلتم بالأول، فماذا يستحقه من أنكر على قائل ذلك أو ناقله؟

فأجاب: بأن الحكم كما قال النووي، وعليه فالمنكر على القائل به مخطئ يستحق التأديب.

9- الإمام النووي:

سُئل النووي رحمه الله تعالى هذا السؤال:

ما يقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم في صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان الجارية بهما عادة الناس الآن، هل صلاهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أو صلاهما أحد الأئمة الأربعة المشهورين، أعني الإمام أبا حنيفة، والإمام الشافعي، ومالكاً، وأحمد بن حنبل، أو أشاروا بصلاتهما؟ وهل ورد فيهما شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وهل هما موافقتان لمراد الشرع أم لا؟ وهل الأًولى فعْلهما أو تركهما؟ وهل الوقيد في هاتين الليلتين الخارج عن العادة حرام أو مكروه أو مباح؟ أفتونا مأجورين.

فكتب جواباً على هذا السؤال:

الحمد لله، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا أحد من الأئمة الأربعة المذكورين رحمهم الله، ولا أشار أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدى به، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهما شيء، ولا عن أحد يقتدى به، وإنما أحدثتا في الأعصار المتأخرة، وصَلاتهما من البدع المنكرات، والحوادث الباطلات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».

 

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد».