arrow down
المسابقة الرمضانية في كتاب
السراج في بيان غريب القرآن إضغط هنا

تفاوت الخلق في البذل والعطاء

الخلق متفاوتون تفاوتاً كبيراً جداً في كل شيء، وهذا من آيات الله عز وجل، سيما في القتال والبذل والسخاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

(فسبحان من فاوت بين الخلق، قيل لإبراهيم عليه الصلاة  والسلام: اذبح ولدك، فتله للجبين، وقيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة، "فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ"، (سورة البقرة: 71). وخرج أبوبكر الصديق رضي الله عنه من جميع ماله، وبخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة، وجاد حاتم في حضره وسفره، وبخل الحباب بضوء ناره، وكذلك فاوت بين الفهوم، فسبحان انطق متكلم، وباقل أعجز من أخرس، وفاوت بين الأماكن، فزرود تشكو العطش، والبطائح تشكو الغرق)، (حياة الحيوان الكبرى للدميري جـ217، وزرود والبطائح موضعان).

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة"، (مسلم).

قال النووي رحمه الله في تأويل هذا الحديث: (معناه المرضي من الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المظهر، القوي)، أي نادر كندرة الراحلة النجيبة من الإبل للركوب، (صحيح مسلم – شرح النووي جـ16/101).

ولذات السبب قال أبوبكر رضي الله عنه: "صوت القعقاع بن عمرو التيمي في الجيش خير من ألف رجل"، إذا كان هذا المدح لمجرد صوته، فكيف يكون فعله في قتال الكفار والمشركين؟!.

وعندما طلب عمرو بن العاص رضي الله عنه المدد من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في فتح مصر، كتب إليه:

(أمَّا بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم مقام ألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد).

وقال عمر كذلك لنفر من أصحابه يوماً: (تمنوا)، فقال رجل: (أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله)، فقال: تمنوا، فقال رجل: (اتمنى لو انها مملوءة لؤلؤاً، وزبرجداً، وجوهراً أنفقه في سبيل الله عز وجل واتصدق به)، ثمَّ قال: (تمنوا)، فقالوا: (ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟!)، فقال عمر: (لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح)، وفي رواية: فقال رجل: (ما آلوت الإسلام)، أي ما قصرت في النصيحة، قال: (ذلك الذي أردته).

وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الباقر: (لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبدالعزيز، إنه يبعث أمة وحده).

وقال الأصمعي: (لما صافَّ قتيبة بن مسلم الترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه يبصبص باصبعه نحو السماء، قال: تلك الأصابع أحب أليَّ من مائة ألف سيف شهر، وشاب طرير)، (هذه الآثار الأربعة نقلاً من كتاب (علو الهمة) للشيخ محمد احمد المقدم حفظه الله).

هذا الصنف كانوا في الماضي قليلاً وهم الآن أقل من القليل، ولكن قليلهم لا يُقال له قليل.

وصدق القائل:

يُعــد بألف من رجال زمانه      لكنــه في الألميـــــــــة واحــد

والقائل:

ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتاً      إلى المجد حتى عدَّ ألف بواحد

لقد ظهر تباين الخلق وتفاوتهم في البذل والإنفاق والسخاء عندما نزل قوله عز وجل حاثاً على الإنفاق، وواعداً بالخلف ومضاعفة المُنْفَق أضعافاً كثيرة: "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، (سورة البقرة: 245)، انقسم الناس أثلاً:

    منهم من خرج من ماله كله أو جله، وهم عدد من الصحابة.

    ومنهم من وصف الله بالبخل، وهم اليهود البخلاء التعساء الأشقياء، حيث قالوا: "إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء"، (سورة آل عمران: 181).

    ومنهم من لم يكتفوا بالبخل والإمساك، بل زادوا على ذلك بأن وصى بعضهم بعضاً بالشح والبخل، منهم المنافقون، وفي مقدمتهم إمامهم عبدالله بن أبي سلول "لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا"، (سورة المنافقون: 7).

قال الإمام أبوبكر بن العربي المالكي رحمه الله في تأويلها: (انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساماً، وتفرقوا فرقاً ثلاثة:

    الفرقة الأولى الرَّذْلى، قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب، فردَّ الله عليهم بقوله: "لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء"، (سورة آل عمران: 181).

    الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل، وقدمت الرغبة في المال، فما انفقت في سبيل الله، ولا فكت أسيراً، ولا أعانت أحداً، تكاسلاً عن الطاعة وركوناً إلى هذه الدار.

    الفرقة الثالثة: لما سمعت بادرت إلى امتثاله، وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره، والله أعلم)، (الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي جــ3/239).

نماذج للباذلين الأسخياء الفائقين غيرهم في البذل والعطاء

     سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

أجود الخلق وأسخاهم على الإطلاق هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، وبهذا وصفه ابن عمه ترجمان القرآن وحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ من الريح المرسلة"، (متفق عليه – مسلم رقم [2308]).

وقال جابر رضي الله عنهما: "ما سئل رسول الله شيئاً قط فقال: لا"، (البخاري رقم [6034]، ومسلم [2311]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ما يسرني أن لي أُحُداً ذهباً يأتي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلاَّ ديناراً أصده لدين عليَّ"، (متفق عليه).

    أبوبكر الصديق رضي الله عنه

حين جاء بماله كله، وكان أربعة آلاف دينار ذهب في غزوة تبوك، فقال له رسول الله: ماذا تركت لعيالك؟، قال: "تركت لهم الله ورسوله".

    جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه

ومن الأجواد جعفر الطيَّار، قال عنه أبوهريرة رضي الله عنه: "ما احتذى البغال، ولا انتقل ولا ركب المطايا، ولا لبس الكور من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب في الجود والكرم"، (المقاصد الحسنة – للسخاوي صـ292).

    عثمان بن عفان رضي الله عنهما

من المؤسرين الأجواد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد بذل بذلاً عظيماً في تجهيز جيش العسرة، فقد وجه عيراً بكاملها جاءته من الشام لتجهيز الجيش، ومن قبل اشترى بئر رومة من يهودي، وجعلها وقفاً للمسلمين.

ولهذا قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارضَ عن عثمان فإني عنه راضٍ"، وقال لذلك: "ما ضرَّ عثمان بعد اليوم".

    أبو ضمضم رضي الله عنه

قال ابن عبدالبر في الاستيعاب جـ4/257 (غير منسوب)، ثمَّ روى بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً من المسلمين قال: اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به، وإني قد جعلت عرضي صدقة لله عزَّ وجل لمن أصاب منه شيئاً من المسلمين.

قال: (فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم انه قد غفر له، أظنه أبا ضمضم المذكور، فالله أعلم).

وعن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ألا تحبون أن تكونوا كأبي ضمضم؟"، قالوا: يا رسول الله، مَنْ أبو ضمضم؟، قال: "إنَّ أبا ضمضم كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من ظلمني"، (قال الألباني في صحيح سنن أبيداود رقم [4886]، صحيح مقطوع).

    زينب بنت خزيمة الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها

كانت تلقب بأم المساكين؛ لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم، كانت تحت عبدالله بن جحش، فاستشهد بأحد، فتزوجها النبي ودخل عليها، وكان ذلك بعد دخوله بحفصة، ثمَّ لم تلبث عنده صلى الله عليه وسلم أن ماتت بعد شهرين أو ثلاثة، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها.

قال الحافظ: (قال ابن الأثير: ذكر ذلك ابن منده في ترجمتها حديث: "أولكن لحاقاً بي أطولكن يداً").

قال الحافظ ابن حجر في ترجمتها: (وقد تقدم في ترجمة زينب بنت جحش، وهو بها أليق؛ لأنَّ المراد بلحوقهن به موتهنَّ، وهذه ماتت في حياته، وهو تعقب قوي)، (الاصحابة في تمييز الصحابة صـ1697)، والشايع عند الناس أنه في فضل زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.

    أم البنين أخت عمر بن عبدالعزيز رحمها الله

كانت من الأسخياء، ولهذا كانت تقول: "أُفٍ للبخل، والله لو كان طريقاً ما سالكته، ولو كان ثوباً ما لبسته"

    عبدالله بن عمر رضي الله عنهما

من أجود الصحابة كذلك عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، إذ كان مسارعاً بالبذل والانفاق وبأجود ما عنده، بل كان إذا أعجبه شيء من ماله مباشرة جعله في سبيل الله، في الهدي أو في غيره، وكان يتأول قوله تعالى: "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ"، (سورة آل عمران: 92).

لقد أعطاه معاوية رضي الله عنه في مولاه نافع ألف دينار، فأبى أن يبيعه واعتقه لوجه الله.

    سعد بن عبادة بن دليم رضي الله عنه

كان من سادات الأنصار سؤدداً وكرماً، بل بيته بيت جود وكرم، فقد ورثوا الجود كابراً عن كابر.

قال ابن عبدالبر: يُقال إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلاَّ قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم، ولا كان مثل ذلك في سائر العرب أيضاً إلاَّ ما ذكرنا عن صفوان ابن أمية.

وروى كذلك ابن عبدالبر عن رافع بن خديج قال: أقبل أبو عبيدة ومعه عمر رضي الله عنهما، فقالا لقيس بن سعد: عزمنا عليك ألاَّ تنحر، فلم يلتفت إلى ذلك ونحر، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه من بيت جود.

وعن نافع قال مر ابن عمر على أطم (حصن) سعد، فقال لي: يا نافع هذا أطم جده، فقد كان مناديه ينادي يوماً في كل حول من أراد الشحم واللحم فليأت دار دُليم، فمات دُليم، فنادى منادي عبادة بمثل ذلك، ثمَّ مات عبادة فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثمَّ قد رأيت قيس ابن سعد يفعل ذلك، وكان قيس جواداً من أجود الناس، (الاستيعاب جـ2/161-162)، وكان لسعد بن عبادة قصعة تدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دار في بيوته.

وكان يومياً يعشي ثمانين من أهل الصَّفة.

    عمرو بن الجموح رضي الله عنه

كان عمرو بن الجموح من سادات وأجواد بني سلمة، وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم سأل بني سلمة: من سيدكم يا بني سلمة؟، قالوا: الجعد بن قيس، علي أنا بنخله.

فقال: (وأي داء أدوأ من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح)، (رواه البخاري في الادب المفرد عن جابر كما قال الحافظ في الإصابة صـ964)، فصاغ أحد الأنصار ذلك شعراً:

فقالوا له: الجدُّ بن قيس على التي     بنخلـــه منها وإن كـان أسوداً

فســوَّد عمرو بن الجموح لجوده      وحق لعمرو بالندى أن يسودا

وقال جابر كذلك: وكان عمرو بن الجموح يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج، وكان له أيضاً قصعة تدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوته.

    أبو الدحداح رضي الله عنه

ويُقال له: أبو الدحداحة كما قال ابن عبدالبر في الاستيعاب جـ4/210، وقد قيل اسمه ثابت بن الدحداح، قتل شهيداً بأحد.

أبو الدحداح هذا هو القائل عند نزول قوله تعالى: "مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ"، (سورة الحديد:11).

(فداك أبي وأمي يا رسول الله! إن الله يستقرضنا وهو الغني عن القرض؟!، قال: نعم، يريد أن يدخلكم الجنة به)، قال: فناولني يدك، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال: إنَّ لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعل إحداهما لله، والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك"، قال: اشهدك يا رسول الله اني قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط – أي بستان – فيه ستمائة نخلة، قال: "إذا يجزيك الله به الجنة".

فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح، وهي مع صبيانها في الحديقة التي تدور تحت النخل، فأنشأ يقول:

هداكِ ربي سبل الرشــــــــاد      إلى سبيل الخيرو الســـــــداد

بيني من الحائـــط بالـــــوداد      فقد مضى قرضاً إلى التنـــاد

اقرضتـه الله على اعتمـــادي      بالطوع لا منًّ ولا ارتـــــداد

إلاَّ رجاء الضعف في المعـاد      فارتحلي بالنفـــــس والأولاد

والبـــر لا شك فخيــــــر زاد      قدمه المــــــــــرؤ إلى المعاد

قالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت، ثمَّ أجابته وانشأت تقول:

بشرَّح اللـــه بخير وفــــــرح      مثلك أدى مــــا عليه ونصـــح

قد متـــع الله عيالـي ونفــــــع      بالعجوة السوداء والزهو البلـح

    والعبد يسعى وله ما قد كــدح     طول الليــالي وعليه ما اجترح

ثمَّ أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج مافي أفواههم، وتنفض ما في أكمامهم حتى افضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من قد يعذق رَدَاح، ودار فياح لأبي الدحداح"، (العَذْق: بفتح وسكون: النخلة، وبكسر وسكون: العرجون بما فيه من الشماريخ، ورداح: ثقيلة، والفياح: الواسع- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ3/238-239).

والله الإنسان ليحتار من أيهما يعجب، لله درهما، أمن أبي الدحداح، أم من زوجه أم الدحداح؟!!.

أجواد العرب

قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب جـ3/136: (أجواد العرب مذكورون: فأجواد أهل الكوفة هم: عكرمة بن ربعي، وأسماء بن خارجة، وعتاب بن ورقاء الرِّياحي، وأجود أهل البصرة: عبيد الله بن أبي بكرة ويُكنى أبا حاتم، وعمرو بن عبدالله بن معمر التيمي، وطلحة بن عبدالله بن خلف الخزاعي، وهؤلاء أجود من أجواد الكوفة، وأجود أهل الحجاز: عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وعبيد الله بن العباس بن عبدالمطلب، وهما أجود من أجواد أهل البصرة، فهؤلاء هم الأجواد المشهورون، وأجواد الناس بعد ذلك كثير).

رحم الله بشر بن الحارث الحافي، القائل: (شاطر – صعلوك – سخي أحب إليَّ من صوفي بخيل)، (السير جـ10/472).

أفضل الصدقة جهد المقل، ولهذا كان أناس من فقراء الصحابة يؤجرهم أحدهم نفسه ليتصدق بما كسب.

عن ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم، قال: (أمرنا بالصدقة، فكنا نحامل على ظهورنا، فنتصدق، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، فسخر منه المنافقون).

فمن أبى أن يتصدق بالقليل وقع فيما هو أخس وأرذل من ذلك، وهو البخل.

وبضدها تتميز الأشياء

لا شك أن الخير باق في هذه الأمة إلى يوم القيامة؛ لأنها تجتمع على ضلال مع تفاوت ذلك في قرونها المختلفة.

روى السيوطي في الجامع الصغير رقم [1630] بسنده إلى عمرو بن عثمان مرسلاً: (أمتي أمة مباركة، لا يدري أولها خير أواخرها)، قال المناوي في فيض القدير جـ2/185-186 عن عمرو ابن عثمان: (قال الذهبي: ثقة)، وقال في تأويله: (لتقارب أوصافهم وتشابه أفعالهم كالعلم والجهاد والذب عن بيضة الإسلام، وقرب نعوت بعضهم من بعض في ظواهرهم، فلا يكاد يميز الناظر بينهم وإن تفاوتوا في الفضل في نفس الأمر، فيحكم بالخير لأولهم وآخرهم، ولذا قيل: هم كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها، ثمَّ إن هذا لا يناقضه خير: "خير القرون قرني"؛ لأنهم إنما كانوا خيراً لأنهم نصروه، وآووه، وجاهدوا معه، وقد توجد نحو هذه الأفعال آخر الزمان حين يكثر الهَرْج....، كالذين ينصرون المسيح، ويُقاتلون الدجال، فهم انصار النبي وأخوانه).

مع هذا فقد غلب على الأثرياء والأغنياء في هذا العصر الكنز والإمساك، وأصبحوا يتنافسون في ذلك ويتسابقون كتنافس السلف الأخيار وتسابقهم في البذل والعطاء، ومما زاد الطين بلة والمريض علة، تحذير وتخويف دول الاستكبار لهم من ذلك بجانب ما هم فيه من الشح والبخل خشية ان يقع في أيدي الإرهابيين كما يزعمون، ووصل تحكم الكفار بالمسلمين أن تدخلوا في مصارف الزكاة، فمنعوا أرباب الأموال أن يخرجوا زكاة أموالهم لمستحقيها "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"، (سورة الذاريات: 19)، وحرموا من ذلك أولى المصارف بالزكاة في هذا العصر وهم المجاهدون كما هو الحال في بلاد الشام، حيث ترسل روسيا وإيران وحزب الشيطان الأسلحة بالطائرات والبواخر لإبادة أهل السنة في سوريا ويحبس الموسرون هذا الحق عن أهله خوفاً من الكفار والمنافقين وحذراً منهم مما كان سبباً في ضياع الأمانة وخذلان أخوة العقيدة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، بينما يزداد جلد الفجار والمنافقين، يُقابل ذلك ضعف وخور المنتسبين إلى السنة.

رحم الله مجاعة بن مرارة الحنفي حين قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: (إذا كان الرأى عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور)، (الآداب الشرعية لابن مفلح جـ1/201).

أيها الموسرون الأغنياء اتقوا الله في أنفسكم، وفي هذا الدين، وفي اخوانكم الضعفاء والمعوزين والغزاة المجاهدين، فإنكم عنهم سوف تسألون يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاَّ من أتى الله بقلب سليم، وصدق من قال: بشِّر مال البخيل بحادث أو وارث.

واعلموا أن إخراج الزكاة فقط في هذا العصر لا ينجيكم، فلابد من البذل والإنفاق ومواساة إخوانكم بالمال الذي جعلكم الله مستخلفين فيه، وإلاَّ فابشروا بوعيد ربكم: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"، (سورة التوبة: 34).

وتذكروا قول رسولكم: "لن تزول قدما ابن آدم عن الصراط حتى يُسأل عن أربع، منها: عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه"، الحديث.

أفي حرام وترف انفقه، أمْ على الكفار والمنافقين، أم في سبيل الخير؟، وهل تدري أخي المسلم أن من أنفق درهماً واحد في حرام فهو مسرف!.

وأخيراً أحب أن أذكر نفسي وإياكم واتحفكم بهذه الموعظة البليغة، والخطبة الوجيزة للإمام المالكي يوسف بن عمر رحمه الله، ونفعنا بها: (اتقوا الله عباد الله! فكم من مؤمل أملاً لا يبلغه، وجامع مالٍ لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه، أصابه حراماً وورثه عدواً، احتمل إصره – الثقل والذنب – وباء بوزره، وورد على ربه آسفاً لاهفاً، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين)،(عيون الأخبار لابن قتيبة جـ2/273).

ردنا الله وإياكم إلى الحق رداً جميلاً، وجنبنا وإياكم شح انفسنا وسيئات أعمالنا: "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، (سورة الحشر:9)، وصلى الله وسلم على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

بحث لفضيلة

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الاثنين 27 / شوال / 1437هـ

1 / أغسطس / 2016م