arrow down
المسابقة الرمضانية في كتاب
السراج في بيان غريب القرآن إضغط هنا

سرّاق الفضيلة

خطبة لفضيلة د. محمد بن عبدالله الهبدان ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران102

أيها الأخوة الكرام: يقول الله - عز وجل - في محكم كتابه الكريم: (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين. لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم)

هذه القصة التي قصها القرآن الكريم علينا.. هي قصة مسجد الضرار.. فما خبر هذا المسجد؟ وما خبر أصحابه الذين بنوه؟

ذكر ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره أن: (سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير فلما تقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله - عز وجل - وكانت العاقبة للمتقين.. و لما فرغ الناس من أحد ورأى أبو عامر أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ارتفاع وظهور.. ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - صلى الله عليه وسلم - فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه ويرده عما هو فيه وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: " إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " فلما قفل - عليه السلام - راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبقى بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة.. )

أيها الأخوة النبلاء: هذا هو مسجد الضرار الذي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يقوم فيه، وأن يقوم في المسجد الأول ـ مسجد قباء ـ الذي أقيم على التقوى من أول يوم، والذي يضم رجالاً يحبون أن يتطهروا: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين) َالتوبة108.

هذا المسجد ـ مسجد الضرار ـ الذي اتخذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيدة للإسلام والمسلمين، لا يراد به إلا الإضرار.. وإلا الكفر بالله.. وإلا ستر المتآمرين على الأمة، الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين.. هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين، تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه!! ومن أعظم تلك الوسائل خطراً وفتكاً في الأمة.. الإعلام عامة... والقنوات الفضائية خاصة.. تلك الوسيلة والتي تعد بحق قريبة من مسجد الضرار الذي حذر الله جل جلاله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من البقاء فيه.. والصلاة فيه.. فلماذا أقيمت هذا القنوات الفضائية؟ ولماذا أنشأت هذه المحطات الهوائية.. هل أقيمت لنشر الدين في الأمة؟ هل أقيمت لترسيخ مبادئ وقيم الإسلام في الناس؟ هل سخرت تلك الجهود من أجل توعية الأمة بعدوها والخطر المحدق بها؟

إن هذه القنوات الفضائية.. هي صورة من مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد رسول الله للمكيدة بالإسلام وأهله.. فمسجد الضرار ما أقاموه المنافقون إلا للكيد بالمسلمين.. والوقيعة بينهم.. وهذه القنوات ما أقيمت إلا لإفساد الأمة... والقضاء على كرامتها.. فهم بحق سراق الفضيلة.. وهم بصدق لصوص الأعراض..

وإني لأعجب والله.. كما تعجب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. من جلد الفاجر وعجز المؤمن.. نعم من جلد الفاجر والمنافق.. وعجز المؤمن.. انظر إلى الذين بنوا مسجد الضرار.. اجتمعوا وتآمروا وخططوا ونفذوا ما يريدون من أجل تنفيذ أهدافهم الشيطانية.. و.. أصحاب القنوات.. انظر إليهم الآن.. يستنفرون كافة الطاقة والجهود.. ويبذلون الأموال الطائلة.. لاستغلال موسم رمضان المبارك.. حتى تصل أحيانا خسائرهم في ذلك إلى أكثر من عشرين مليون.. أكثر من عشرين مليون.. كلها خسائر من أجل ماذا؟ من أجل إشغال الأمة عن دينها.. اشغالهم عن عبادة ربهم.. صرفهم عن القيام لله رب العالمين.. حتى ترسب في عقول بعض أبناء الأمة.. أن ليالي رمضان أصبحت محل أنس وطرب.. ولهو ولعب.. فما أن ينتهي الصائم من صومه.. ويتناول إفطاره.. حتى تبدأ مساجد الضرار.. تلك القنوات.. بعرض ما يفتن الناس عن دينهم.. ويلبسون ذلك أحيانا بستار الدين.. أو الإصلاح الاجتماعي.. أو نحو ذلك كما فعل أصحاب مسجد الضرار عندما قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. إنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية.. انظر إلى التلبيس والتدليس على الأمة.. وهذا هو ما يحدث من هذه القنوات.. وتلك الفضائيات.. وفي المقابل.. كم هي الجهود الدعوية المبذولة لاستغلال رمضان المبارك؟ كم هي البرامج المعدة لتوجيه الناس.. وانتهاز فرصة تنزل الرحمات.. وقرب الناس من رب البريات جل جلاله.. كم هي الأموال التي تنفق من أجل نشر الفضيلة بين الناس؟ هل أنفق أهل الخير والإحسان.. ما أنفقه أهل الفسق والعصيان لنشر باطلهم؟ إنهم ينفقون الأرقام الفلكية.. ويخسرون الأموال العظيمة.. لانتهاز فرصة رمضان.. فماذا سيقدم أهل الإيمان للانتهاز رمضان؟ كم حجم الإنفاق الذي سيكون منهم للمساهمة في الدعوة إلى الله - تعالى -.. هل هي قريبة مما ينفقه الأعداء.. أم أكثر منها؟

بحق أيها الناس.. عجباً لجلد المنافق وعجز المؤمن.. ومن جهة أخرى.. انظر إليهم في تنويع خطابهم للناس.. فهم وضعوا برامج رمضانية.. للصغار.. وبرامج أخرى للكبار.. وبرامج أخرى للنساء.. ورابعة للشباب.. وخامسة للفتيات.. وهكذا.. يحاولون تنويع الخطاب لكافة طبقات المجتمع لصدهم عن سبيل الله - تعالى -.. فهل فعل الدعاة إلى الله - تعالى -مثل ما فعلوا؟ وهل وضعوا برامج للصغار وبرامج للكبار.. وأخرى للشباب.. ورابعة للفتيات.. أم أنهم اقتصروا على أسلوب رتيب.. أكل عليه الدهر وشرب.. وهل طوروا قدراتهم من أجل التأثير على الناس؟

أيها المسلمون: إننا في سباق مع أصحاب مساجد الضرار في القرن الحادي والعشرين.. نعم في سباق.. هم يدعون إلى النار.. وصرف الناس عن الواحد القهار.. وأنتم تدعون إلى العزيز الغفار.. فاجتهدوا يا رعاكم الله في دعوتكم.. واحتسبوا جهادكم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

الخطبة الثانية

أيها الأخوة النبلاء: إن الله جل في علاه.. بين لنا مصير كل مسجد ضرار يقام إلى جوار مسجد التقوى.. ويراد به ما أريد بمسجد الضرار؛ وتكشف عن نهاية كل محاولة خادعة تخفي وراءها نية خبيثة؛ وتمطئن العالمين المتطهرين من كل كيد يراد بهم، مهما لبس أصحاب مسوح المصلحين: ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) التوبة109

فبنيان أهل البطل قائمة على شفا جرف هار.. قائمة على حافة جرف منهار.. قائمة على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار.. تنهار في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين.. الذين بنوا هذه البنية ليكيدوا بها هذا الدين!.

إنه درس رباني لدعاة الحق.. أن يطمئنوا لمصير دعوتهم.. في مواجهة دعوات الكيد والكفر والنفاق!! فبناءهم قائم على أساس من التقوى.. ولا سواء من أساسه على شفا جرف هار.. وبين بناء قائم على تقوى من الله ورضوان..

ودرس آخر.. لآثار مسجد الضرار في نفوس بُناته الأشرار؛ وبناة كل مساجد الضرار.. (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة110.

نعم لقد انهار الجرف المنهار.. انهار ببناء الضرار الذي أقيم عليه.. انهار في نار جهنم وبئس القرار!! ولكن ركام البناء بقي في قلوب بناته.. بقي فيها ريبة وشكاً وقلقاً وحيرة.. وسيبقى كذلك لا يدع تلك القلوب تطمئن أو تثبت أو تستقر.. إلا أن تتقطع وتسقط هي الأخرى من الصدور!.

 

وهكذا أصحاب الكيد الخادع..لا يزال مزعزع العقيدة، حائر الوجدان، لا يطمئن و لا يستقر، وهو من انكشاف ستره في قلق دائم، وريبة لا طمأنينة معها ولا استقرار..