arrow down
المسابقة الرمضانية في كتاب
السراج في بيان غريب القرآن إضغط هنا

رمضان فرصة العمر

خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والسالكين طريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

أيها المؤمنون!

ها نحن يطالعنا شهر عظيم، وموسم من الخير جديد.. أتى رمضان فأي رمضان سيكون رمضانك؟! أرمضان الكسالى المسوفين أم المسارعين المجدين؟! هل هو رمضان التوبة أم رمضان الشِقوة؟ هل هو رمضان الصيام والقيام أم شهر الموائد والأفلام؟

ها هو رمضان -أيها الناس- قد حل، ووجه سعده قد طل.. أظلنا موسم كثير الفضائل، عظيم الهبات والنوائل، أيامه ولياليه نفحات للخير، ونسائم للرحمة والرضوان، رمضان المنحة الربانية، والهبة الإلهية، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، هو أشرف الشهور، وأيامه أحلى الأيام؛ لسان حال الصائمين فيه:

أهلاً وسهلاً بالصيام *** يا حبيباً زارنا في كل عام

قد لقيناك بحب مفعم *** كل حبٍّ في سوى المولى حرام

رمضان فرصة من فرص الآخرة تحمل في طياتها غفران الذنوب، كم تمر بنا فرص -أيها الناس- لا نشعر بها، ولكن المبادرين هم المسارعون:

جاء شهر الصيام بالبركات *** أكرم به من زائر آتي

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل رمضان فُتِّحَت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر! ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة».

الصيام يصلح النفوس، ويُكسب المحامد، ويبعد عن المفاسد، به تُغفر الذنوب، وتُكَفر السيئات، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

أيها الأحباب في الله!

هذا الشهر الكريم لياليه نسائم الرحمات؛ لكل مسلم دعوة مستجابة عند فطره، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.

فيا عباد الله! شهر بهذه الصفات والفضائل والمكرمات حري بالاهتمام، فهل هيأنا أنفسنا لاستقباله؟!

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه برمضان فيقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك افترض عليكم الله صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم» [رواه أحمد والنسائي].

يحكي معلى بن الفضل رحمه الله تعالى عن السلف رحمهم الله أنهم كانوا يدعون الله تبارك وتعالى أن يتقبل منهم رمضان ستة أشهر، ويدعون ربهم تبارك وتعالى أن يبلغهم رمضان ستة أشهر؛ لعلمهم بما في هذا الشهر العظيم من الفضائل والخيرات.

أتى رمضان مزرعة العباد *** لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولاً وفعلاً *** وزادك فاتخذه في المعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها *** تأوه نادماً يوم الحصاد

كان يحيى بن أبي كثير يقول: "اللهم سلمني رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".

عباد الله!

هاهو شهر العزة والكرامة.. شهر الجهاد والنصرة قد أقبل؛ فهل آن للأمة أن تنفض عنها غبار التبعية؟ هل آن لها أن تفهم ماذا أراد الله تبارك وتعالى منها؟ هل آن لها أن تقلع عن نفسها أسباب الذلة والمهانة؟

يزورنا رمضان هذا العام وهناك جراح في هذه الأمة، فالصليب متربع على بلاد المسلمين، واليهود يتآمرون على المسجد الأقصى، والرافضة في الشام والعراق واليمن يعيثون فساداً.

إن هذه الجراح يجب علينا أن نلملمها في هذا الشهر المبارك، ولن يزول تسلط عدونا عنها إلا بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى، ومعرفة مواسم الخير، والقيام بها على الوجه الذي يريد الله تبارك وتعالى.

أيها الناس!

رمضان أتى فهل فرحنا بقدوم رمضان؟ فإذا فرحنا بقدوم رمضان فلنؤدِ شكر نعم الله سبحانه وتعالى علينا: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58].

أيها المسلم!

إن الله تبارك وتعالى قد منَّ علينا أجمعين بأن بلغنا هذا الشهر الكريم، ومدَّ في أعمارنا؛ فكم من أحبابنا من قد فارقناهم؟! وكم من أحبابنا من هو في الفراش لا يستطيع أن يصوم ولا يستطيع أن يقوم؟! هي رحمة من الله منَّ بها علينا، فلنؤدِ شكر نعم الله سبحانه وتعالى علينا.

أيها الأحباب في الله!

رمضان عظيم، يدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلين من قضاعة أسلما؛ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر بعده سنة، فبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ألحقه بصاحبه"، أي: يلحق المؤخر الذي أُخر في أجله بصاحبه الذي توفي قبل، وفي رواية: أن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: "أريت الجنة في المنام، فرأيت المؤخر قدم في دخول الجنة، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بذلك"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مم تعجبون، ألم يدرك رمضان؟! قالوا: بلى، قال: أما صلى كذا وكذا سجدة؟» وفي رواية: «ستة آلاف ركعة» أي: صلاة تلك السنة؟ «قالوا: بلى، قال: فما بينهما كما بين السماء والأرض».

فيذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الذي لم يقتل شهيداً رفعه الله تعالى بصيام رمضان؛ فهنيئاً لكم -أيها الأحباب- أن بلغكم الله شهر رمضان.. شهر العبادة، شهر الطاعة، شهر التقوى، شهر الشعور بآلام الأمة وبآلام إخواننا.

أيها المؤمنون!

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في هذا الشهر ما لا يجتهد في غيره، كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره من الشهور".

هذا الشهر شهر الصدقة والبذل، فلقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كما أخبر ابن عباس: "أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" .

هذا الشهر شهر العطاء، شهر تفقد الجيران، شهر تفقد الجوعى، شهر تفقد الذين لا يجدون ما يكتسون؛ فابذلوا، وأنفقوا من أموالكم، وأروا الله تبارك وتعالى منكم بذلاً وعطاءً في هذا الشهر، فقد صفدت تلك الشياطين التي تَعِدُ الناس بالفقر، وتخوفهم بالفقر، والله يَعِدُ بالمغفرة والفضل، وهو الغفور ذو الفضل العظيم تبارك وتعالى.

أيها الأحباب في الله!

في هذا الشهر لا ينبغي لنا أن نلتفت إلى غير العبادة والطاعة؛ فلنقبل على الله سبحانه وتعالى، ولا يذهب هذا الشهر علينا بنوم في النهار، وفي الليل تتبع للقنوات واللعب واللهو.

هذا الشهر -أيها الأحباب- فرصة إذ لا يضمن أحدنا أن يبقى إلى شهر رمضان المقبل، وكيف نَعِد أنفسنا قبل الشهر أننا سنبذل، وسنقرأ القرآن، وسنقوم في رمضان، وسنحافظ على الجماعة في رمضان؛ فيبدأ الشهر بنشاط، ثم يدب الفتور إلينا!!

فلا تضيعوا هذه الأوقات في غير ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأقبلوا على الله.. أقبلوا على الله؛ فرغم أنف امرئ أدركه رمضان فلم يغفر له.. حوار بين النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل أمين السماء وأمين الأرض، يقول جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام لما رقى المنبر: «قل: آمين. فقلت: آمين... فقال: رغم أنف امرئ أدركه رمضان فلم يغفر له»، فيا خيبة من خرج رمضان ولم يغفر له! ويا حسرة من خرج رمضان ولم يعتق من النار!

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم من عتقائه تبارك وتعالى في هذا الشهر الكريم.

أيها الأحباب في الله!

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، ما أراد الله منا الجوع والعطش، إنما أراد أن تحيا قلوبنا بالتقوى، أن ترتفع عن الدني، أن ترتفع إلى طلب جنة الله تبارك وتعالى، والهروب من النار.

واعجباً لنا -أيها الأحباب- كيف نقرأ في كتاب الله وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في الجنة من نعيم، وأن فيها: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ونقرأ في النار: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان:43-46]، يقول عليه الصلاة والسلام: «لو أن قطرة من الزقوم نزلت إلى أهل الدنيا لأفسدت عليهم معايشهم»، فواعجباً لنا لا نُقبل على تلك ولا نفر من الأخرى!!

أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنان، ومن عتقائه تبارك وتعالى في هذا الشهر الكريم من النيران.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الصيام من الأكل والشرب؛ إنما الصيام من اللغو والرفث» [رواه ابن حبان]، وقال صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه -أي: حظه- إلا الجوع والعطش، وليس له من قيامه إلا النصب والتعب».

نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام.

أيها الأحباب!

ليكن رمضان انطلاقة لأن نبتعد عن كل ما يسخط الله سبحانه وتعالى، ليكن رمضان انطلاقة حقيقية في المسارعة إلى الخيرات، وإرضاء رب الأرض والسماوات.. رمضان شهر التوبة والمغفرة فتعرضوا لنفحات ربكم تبارك وتعالى، فالجد الجد -أيها الناس- قبل أن لا توبة تُنال، ولا عثرة تُقال، ولا يُفدى أحد بمال، فبالجد فاز من فاز، وبالعزم جاز من جاز.

اعلموا -أيها الأحباب في الله- أن هذا الشهر أوان الجد؛ فكونوا مُجدين، وهذا زمان العبادة فكونوا مسارعين، وهذا زمان التوبة فبادروا بها قبل أن ينخرم الشهر، ونحن في مكاننا لا نزال مبتعدين عن رحمات ربنا تبارك وتعالى لا نتعرض لها، ولا نقبل على الله سبحانه وتعالى.

في رمضان كنوز غالية فلا نضيعها فنكون من الخاسرين، ولنرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ولنحافظ على صلاة الجماعة، ونقوم بالسنن، ونحب المؤمنين، ونتآلف فيما بيننا، ونربي أنفسنا على الأخلاق الفاضلة، ونربي أنفسنا على حفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور.

أيها الناس!

صِلوا أرحامكم في هذا الشهر؛ فمن كان بينه وبين رحمه قطيعة فهذا الشهر فرصة لأن يصل بعضنا بعضاً؛ «فلا يدخل الجنة قاطع رحم»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بُروا آباءكم وأمهاتكم.

واحرصوا على أبنائكم، وخذوا بأيديهم إلى المساجد، ومروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6].

هذا الشهر -أيها الأحباب- فرصة لتحقيق هذه المعاني العظيم.. هذا الشهر فرصة لمراجعة حساباتنا.. هذا الشهر فرصة أن ننظر في ماضينا ماذا فعلنا فيه؟ فإن كان خيراً فلنحافظ عليه، ولنسأل الله تبارك وتعالى القبول، وإن كان غير ذلك فباب التوبة مفتوح، وهذا الشهر معين على التوبة، ومعين على المغفرة؛ والله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم، وهو التواب الرحيم؛ فتوبوا إلى الله عز وجل، وبادروا بالتوبة قبل أن تخرمنا الآجال، وقبل أن نلقى الله سبحانه وتعالى فنندم على هذه الساعات وعلى هذه الأيام التي لم نستغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى.

 

الدعاء..