arrow down
المسابقة الرمضانية في كتاب
السراج في بيان غريب القرآن إضغط هنا

الشيخ البريء والشيخ المدان

بقلم فضيلة د. عبدالآخر حماد الغنيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

أما الشيخ البرئ فهو عنوان مقال كتبه أحد الكتاب في جريدة المصري اليوم ويقصد به المدعو بالشيخ ميزو ، الذي هو في نظر ذلك الكاتب شخص بريء يجب الإفراج عنه ، رغم أن القضاء المصري قد أدانه وقضى بسجنه خمس سنوات بتهمة ازدراء الأديان .

وأما الشيخ المدان فهو الشيخ الذي أدين دون أن يُحاكم ،ونعني به هنا الدكتور سالم عبد الجليل الذي قامت الدنيا ولم تقعد بسبب كلمة صدرت منه حول عقيدة أهل الكتاب وقوله إنها عقيدة غير صحيحة ، إذ رغم أنه لم يحاكم ولم يحقق معه - والأصل أن يعد بريئاً حتى تثبت إدانته - إلا أن البعض قد سارع إلى إدانته والحكم عليه ، فقد أدانته وزارة الأوقاف وحكمت بمنعه من الخطابة ، وقال وزير الأوقاف في تصريح لبعض القنوات الفضائية (إنه في قمة الأسى والانزعاج ، مؤكداً أن عبد الجليل إن لم يعتذر عن تصريحاته فلن يصعد أي منبر مجدداً  )، وأضاف : ( إن سالم عبد الجليل يثير الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ،ويجب على القنوات الفضائية ألا تستضيفه ويتم التعتيم عليه). وكأن الوزير لا يعلم أن في القرآن آية تقول : ( إن الدين عند الله الإسلام ) وأخرى تقول : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل من اعتقد عقيدة غير عقيدة الإسلام فهو على خطأ وضلال مبين .

أما مجمع البحوث الإسلامية فقد عقد اجتماعاً طارئاً لبحث الأزمة التي أثارتها تلك التصريحات ،وأصدر بياناً ذكر فيه أن : ( ما صدر عن الدكتور سالم عبد الجليل من تصريحات بشأن الديانة المسيحية والمسيحيين، لا يعبر لا عن الأزهر الذي لا يملك تكفير الناس، ولا عن أى هيئة من هيئاته المنوط بها التفسير والتحدث باسمه ).

ومع أن الدكتور سالم قد أعلن بعد ذلك اعتذاره عن سوء اختياره لبعض الألفاظ أثناء حديثه عن الأقباط ،وأنه كان ينبغي عليه انتقاء الألفاظ التي لا تجرح مشاعرهم ،إلا أن ذلك لم يكفِ المتربصين به ، وذلك بدعوى أنه لم يتراجع عن أصل الحكم الذي تحدث عنه .

وذلك  كما حدث في واقعة الدكتور أحمد حسني لما حكَم بردة المدعو إسلام البحيري ، إذ إنه رغم اعتذاره عن ذلك وبيانه أن ذلك سبق لسان منه ،إلا أن ذلك الاعتذار لم يُجده نفعاً بل أقيل من منصبه ، وما نظن ذلك إلا تراجعاً من مؤسسة الأزهر الشريف أمام ضغوط هائلة تمارس عليها من قبل جهات وأشخاص لديهم مشكلة حقيقية مع الإسلام ذاته بعقائده وعلمائه ورموزه والداعين إليه.

وذلك أن كل صاحب عقيدة يرى أن معتقدات الآخرين غير صحيحة ، وقد رأينا غيرنا يتهجم على ديننا ويتطاول عليه ثم لا يعتذر ،بل ربما التُمِستْ له المبررات ، ولمن يماري في ذلك أُذكِّر بما حدث في خريف عام 2010 من تطاول الأنبا بيشوي على الإسلام والمسلمين وزعمه أن في القرآن آياتٍ أضيفت إليه بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذا ما ادعاه من أن المسلمين ضيوف على الأقباط في مصر ، فإنه لم يعتذر عن ذلك ، ولا حاكمه أحد على ذلك ، بل إن الأنبا شنودة لما تكلم وقتها عن هذا الموضوع في لقائه مع التليفزيون المصري ، وفسَّر البعض ذلك بأنه اعتذار منه عما صدر من الأنبا بيشوي فإنه -أي الأنبا شنودة - قد صرح كما نشر وقتها بأنه ( لم يتقدم خلال حديثه مع التليفزيون المصرى باعتذار عن تساؤلات الأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس، حول القرآن، موضحاً أنه أعرب فقط عن أسفه لغضب المسلمين) .وقال البابا فى حوار أجري معه وقتها على شبكة تليفزيون الحياة : ( لم أستخدم كلمة اعتذار، لكنى أعربت عن أسفى لغضب المسلمين) .

ولنا أن نقارن ذلك بما حدث قبل ذلك بحوالي السنة ففي ذي الحجة  1430 الموافق لشهر نوفمبر 2009 وزعت مجلة الأزهر مع عددها الصادر في ذلك الشهر كتاباً من تأليف الدكتور محمد عمارة بعنوان : (تقرير علمي ) ، وهو ردٌ على كتاب طبعه ووزعه بعض المنصّرين بعنوان (مستعدون للمجاوبة) ، وكان ذلك الكتاب قد تم ضبطه من قبل بعض أجهزة الدولة ،التي أحالته إلى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ،طالبةً الإفادة عن رأى الإسلام فيما جاء به ، وقد كَلَّف مجمع البحوث عضوه الدكتور محمد عمارة بفحص الكتاب وتقديم تقرير علمى عنه، فكتب هذا التقرير مفنداً ما جاء في ذلك الكتاب من تكذيب للقرآن الكريم ، وازدراء لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، واعتمد مجمع البحوث ذلك التقرير ،ووافق بالإجماع على نشره ملحقاً بمجلة الأزهر. ورغم أن كتاب الدكتور عمارة لم يكن إلا رداً علمياً مهذباً  على افتراءات شخص مفترٍ حاقدٍ على الإسلام وأهله ، إلا أن ذلك لم يكن ليرضي متعصبة القوم ومن وراءهم ، فقامت قيامتهم مُشَهِّرين بالأزهر ورجاله ، فاضطر القائمون على المجلة إلى سحب هذا العدد والملحق الخاص به من الأسواق ، وليس ذلك فقط ،بل صدر بيان رسمي عن أمانة مجمع البحوث جاء فيه أن سبب سحب هذا العدد هو ما فهمه ( بعض الإخوة المسيحيين بأن ما جاء بملحق المجلة هو إساءة إلى مشاعرهم، والأزهر الشريف يسره أن يستجيب لرغبة الإخوة المسيحيين وأن يعلن احترامه الكامل ،وإيمانه الشديد بالعقيدة المسيحية والمسيحيين داخل مصر وخارجها ،ويكن لهم الاحترام والتقدير ولم يقصد في أي لحظة أن يسيء إلى أحد من أبناء مصر العزيزة ) . هذا هو نص بيان مجمع البحوث كما نشر وقتها ، ولست أدري كيف يسوغ لمسلم موحد أن يعلن إيمانه الشديد بعقيدة تناقض مناقضةً ظاهرةً عقيدةَ التوحيد الخالص التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ؟

وقبل ذلك وفي عام 2007 تطاول بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر على مقام رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث قال في محاضرة له : ( إن محمدًا لم يأت إلا بما هو سيء وغير إنساني، كأمره بنشر الإسلام بحد السيف ) ومع ذلك لم يعتذر ، ولا اعتذر أحدٌ نيابةً عنه ، وكل ما فعله الفايتكان لتهدئة المسلمين الذين غضبوا من تصريحاته هو أن صرح ناطق باسم الفاتيكان بأن البابا ( لم يقصد إهانة المسلمين وأنه يحترم الإسلام لكنه حريص على رفض استخدام الدافع الديني مبرراً للعنف).

 

وأخيراً فلست بحاجة إلى بيان أن ديننا الحنيف يأمرنا بالعدل مع المخالفين ، ويحضنا على الإحسان إليهم والبر بهم ، لكن لا يجوز أن يجرنا إلى ذلك إلى المجاملة على حساب ديننا ومعتقداتنا ،ووضع أنفسنا في خانة المتهَمين المطالَبين بالاعتذار دائماً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .